المسجد النبوي ومعالمه
دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة المنورة تاركاً خطام الناقة مرخىً لها، تسير حيث شاءت إلى المكان الذي اختاره الله تعالى لمسجد نبيه، فبركت الناقة عند باب المسجد، (وكان مِرْبداً لتجفيف التمر، وهو لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل ابنا عمرو من بني النجار، فاشتراه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهما بعشرة دنانير، وبناه مسجداً بسيطاً مكوناً من بعض الحجارة وأكثره من اللَّبِن، وسقفه من الجَريد، وأعمدته جذوع النخل). ثم إن ناقة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهضت ثانية بعد أن جلست في باب المسجد، ومشت قليلاً فجلست عند بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم ضيفه لنحو سبعة أشهر كما سبق. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فَكَانَ فيه قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَعَهُمْ وهو يقول: اللهم لَا خَيْرَ إلا خَيْرُ الآخرة فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ والمهاجرة (صحيح البخاري رقم٤١٨، ومسلم رقم٥٢٤). وفي الحقيقة أن حدَّ مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسواريِّه مُحَافَظٌ عليها ولا تشتبه بغيرها، وعلى جميع تيجان الأعمدة الجانبية للمسجد علامات على ذلك، ومكتوب عليها: حدُّ مسجد النبي عليه السلام، وأما منبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو في مكانه الذي وضعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتغير وهذا الموجود هو من بناء السلطان العثماني مراد بن سليم وقد بني في سنة ٩٩٨هـ/ ١٥٨٩م، وسيأتي الحديث عن فضله.
إن فضل مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد خصِّصتْ منه بقعة فضلت على سائر المسجد، ألا وهي الروضة الشريفة، فقد كان لهذه الحديقة الحظ الأكبر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من صلاته ومشيه وجلوسه وتعليمه..، وكذا صلاة أصحابه فيها، وأرض كهذه ستكون يوم القيامة بقعة من أرض الجنة، فمن صلى فيها كان له رجاء من الله تعالى بأن ينتقل إلى الجنة كما تنتقل هي إلى الجنة بإذن الله تعالى؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ما بينَ بيتي ومِنْبَري رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي على حوضي)) (صحيح البخاري رقم ١١٩٦، ومسلم رقم١٣٩١). فهذه بشارة منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أن زائر الروضة الشريفة والمنبر الشريف إذا تقرب بالطاعة عندهما أو دعا عندهما كان مُبَشَّراً بدخول الجنة وبالشرب من حوض الكوثر الشريف يوم القيامة.




وأسطوانات المسجد النبوي هي السواري (أو الأعمدة) وكانت من جذوع النخل على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم استبدلها بالحجارة عثمان بن عفان رضي الله عنه، والموجودة الآن قد عُمرت أثناء عمارة السلطان عبد المجيد العثماني رحمه الله في مكان السواري التي كانت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهناك عدد من الأسطوانات كان لها زيادة فضل على غيرها من الأسطوانات في الروضة الشريفة أو المسجد، لذا تستحب الصلاة عندها؛ لصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندها أو صلاة الصحابة رضوان الله عليهم، كما روى البخاري رحمه الله أن كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا يبتدرون السواري للصلاة خلفها. (صحيح البخاري رقم٥٠٣)


وتعرف بالأسطوانة «المطيّبة» و«المعطّرة»، و«عَلَم المصلّى» أي أنها عَلَم على مصلّى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعندها كان وقوف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصلاة الفريضة.

وتُعرف بأسطوانة «القُرعة» و«المهاجرين»، فقد كانوا يجتمعون عندها، وعندها صلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بضعة عشر يوماً بعد تحول القبلة، وهي من مواطن استجابة الدعاء في الروضة الشريفة.

وتُعرف بأسطوانة أبي لبابة؛ لأنه ربط بها نفسه رضي الله عنه بضع عشر ليلة بعد الذي أفشى السِّرَّ لحلفائه من بني قريظة، ثم نزلت الآية بتوبته رضي الله عنه، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي النوافل عندها.


وهي محلّ اعتكاف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد كان له سرير عندها من جريد النخل يضطجع عليه.



وهي عند باب بيت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها، وسُميت بهذا لأن حرس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا يجلسون عندها.


وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجلس إليها لاستقبال وفود العرب إذا جاءته.


وتقع بمحاذاة أسطوانة الوفود في داخل المقصورة الشريفة.
وتقع خلف المقصورة، وأمامها محراب التهجد، وهو مكان متهجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.


كان بيت السيدة عائشة رضي الله عنها خلف سارية السرير والحرس، وفيه دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وبين سارية الحرس والوفود كان الباب الذي يخرج منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المسجد.

صلَّى النبي عليه ألف صلاة وألف سلام إلى بيت المقدس لنحو سبعة عشر شهراً من مهاجره، ثم توجه إلى الكعبة المشرفة قُبيل غزوة بدر بنحو شهرين، كما سيأتي بيانه. ومكان صلاته صلى الله عليه وسلم كما ورد في الروايات الحديثية والتاريخية أن تجعل أسطوانة السيدة عائشة رضي الله عنها خلف ظهرك، ثم تمشي إلى الشمال حتى إذا كان باب جبريل عليه السلام على يمينك كانت قبلته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك الموضع، فيكون موضع صلاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الأسطوانة الرابعة والخامسة، إذا بدأت بعدِّ الأسطوانات من آخر المسجد والله أعلم.

وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَنْ خطَّ هذا الباب يوم بنى المسجد، ومكانه الأول قبالة هذا الباب المتأخر من الداخل في نهاية ما يسمى دكة الأغوات، عند موازاة الجدار الأول للمسجد النبوي. ويسمى بباب عثمان لأنه بمقابل دار عثمان رضي الله عنه، ويسمى باب الجنائز لقربه من مصلى الجنائز، ويسمى باب النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يدخل منه إلى المسجد. وسبب تسميته بباب جبريل لأن جبريل عليه السلام كان يدخل منه للمسجد.

خطَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسجده أول وصوله المدينة وكان طوله من الشمال للجنوب ٧٠ ذراعاً وعرضه من الشرق للغرب ٦٠ ذراعاً، ما يقارب ٣٥م طولاً، و٣٠م عرضاً، وبعد غزوة خيبر وفي شهر محرم سنة ٧ هـ، ضاق المسجد النبوي بالمصلين، فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتوسعة للمسجد فصار طول المسجد 50متراً وعرضه ٥٠متراً كذلك، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه هو من اشترى أرض التوسعة. وكان ارتفاع سقف المسجد سبعة أذرع أي ٣.٥ متراً، وبنيت أساساته من الحجارة وجدرانه من اللَّبِن (الطين المسبوك المجفَّف بالشمس)، وأعمدته من جذوع النخل. وعدد الأسطوانات (الأعمدة): على طول المسجد من الجنوب للشمال ١١ أسطوانة، وعددها على عرضه من الشرق إلى الغرب ١٠ أسطوانات، فيكون عدد الأسطوانات ١١٠ أسطوانة من جذوع النخل. وكان للمسجد النبوي ثلاثة أبواب باب الرحمة، وباب جبريل، وباب الجهة الشمالية، وكان لأبي بكر باب صغير (خوخة) يدخل منه إلى بيته. وقد كان للصحابة المجاورين للمسجد أبواب شارعة في المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإغلاقها ما عدا باب أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إِنَّ مِنْ أَمَنِّ الناس عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كنت مُتَّخِذًا خَلِيلًا غير رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ في الْمَسْجِدِ بَابٌ إلا سُدَّ إلا بَابَ أبي بَكْرٍ)). (صحيح البخاري رقم٣٤٥٤).


لما انتقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت حدود مسجده من الناحية الجنوبية تنتهي عند حدود الروضة الشريفة، وبقي الحال هكذا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم في زمن عمر رضي الله عنه كثُر الناس فاحتاجوا إلى توسعة المسجد، فزاد فيه عمر رضي الله عنه زيادة من الجنوب رواقاً واحداً وزيادة من الغرب بمقدار رواقين..، ثم زاد فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته أيضاً رواقاً من الجنوب ومن الغرب.. وهذه الزيادات جاء ذكرها في أحاديث صحيحة وضعيفة، منها ما رواه ابن كثير عن ابن عمرَ رضي الله عنهما أنه قال: قال عمرُ: لولا أنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إني أريدُ أن أزيدَ في قِبْلَتِنا)) ما زِدتُ. مسند الفاروق (١/ ١٩٧).




صنعت الأنصارية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنبر النبوي سنة ثمان للهجرة، وكان من خشب طرفاء الغابة، وقوامه على ثلاث درجات، وله سبع فتحات، وأما أبعاده التقريبية فهي كما في الصورة، وقبله كان يتكئ إلى جذع نخلة، فصار لهذا المنبر من الشرف ما ليس لأحد مثله من المصنوعات؛ لمَّا تشرف بجلوس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه، فكوفئ بأن يكون مصاحباً للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم القيامة عند الحوض وفي الجنة. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ امرأةً من الأنصارِ قالت لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يا رسولَ اللهِ، ألا أجعلُ لك شيئاً تقعدُ عليه، فإن لي غلاماً نجاراً قال: ((إِنْ شِئْتِ)) قال: فعملتْ لهُ المنبرَ، فلما كان يومُ الجمعةِ قعدَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على المنبر الذي صنع، فصاحتِ النخلةُ التي كان يخطبُ عندها، حتى كادت تَنْشقُّ، فنزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى أخذها، فضمَّها إليه، فجعلت تئنُّ أنينَ الصبيِّ الذي يُسَكَّتُ، حتى استقرَّتْ، قال: ((بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ)) (صحيح البخاري رقم٢٠٩٥). يراجع كتاب "الدر الثمين في فضائل منبر النبي الأمين صلى الله عليه وسلم" للدكتور نزار محمود قاسم الشيخ

دخل الناس في دين الله تعالى وآوى الأنصار المهاجرين، وبقي مجموعة من فقراء المهاجرين لا مأوى لهم ولا عيال، فكانوا ملازمين للمسجد النبوي من أول تأسيسه، نذروا أنفسهم لخدمة دين الله تعالى، حباً لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانوا أول مَنْ يُبعث في المهمات وللنجدة في المُلمَّات، وكانوا يزيدون وينقصون وقد يصل عددهم إلى ٢٠٠صحابي، وقد ينضمُّ إليهم ضيوف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والوفود. وعندما كانت القبلة الأولى لبيت المقدس في شمال المسجد كان مكانهم في آخر المسجد في الجهة الجنوبية الغربية، مكان المنبر والمحراب اليوم، فلما تحولت القبلة إلى الكعبة المشرفة، تحولوا إلى مؤخرة المسجد في الجهة الشمالية التي بجوارها الحصوة.




وأما ما يسمى اليوم بدكة الأغوات ويُعتقد أنّه محلّ أهل الصُّفّة فليس هذا المكان موضع جلوسهم ولا مبيتهم بل كان محله بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومكان تهجده.

من عظيم رحمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاته على صحابته ممَّنْ مات في المدينة المنورة، فكان مصلى الجنائز ميداناً للصلاة عليهم وكانت تقام عنده الحدود. ومكان مصلى الجنائز كان في شرق حجرات أمهات المؤمنين، ومحله الآن على قسمين والأول في داخل المسجد النبوي وهو ما بين الجدار الشرقي للمقصورة النبوية والجدار الشرقي للمسجد النبوي الحالي، وقسم خارج جدار المسجد الشرقي الحالي ما بين باب جبريل وشباك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو المكتوب أعلاه: «إن الله وملائكته يصلون على النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، وهذا القسم الشرقي الآن محاط بجدار مستطيل مقفل توضع فيه مستلزمات المسجد من سجاد وغيره.

صور عامة للمعلم
صورتان
