تجارة النبي إلى البحرين
استمرَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عمله في التجارة أيام شبابه، فبعد أن كان أجيراً صار صاحب رأس مال يشارك الآخرين فيه، كما صحَّ عنه. فعن السَّائِبِ رضي الله عنه أنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ وَيَذْكُرُوني، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَلَيهِ وَسَلمَ: ((أَنَا أَعْلَمُكُمْ)) [يَعْنِي بِهِ] قُلْتُ: صَدَقْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((كُنْتَ شَرِيكِي فَنِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لاَ تُدَارِي، وَلاَ تُمَارِي)). سنن أبي داود رقم٤٨٣٦، ورواه الحاكم وصححه رقم ٢٣٥٧. فقد وصف صلى الله عليه وعلى آله وسلم شريكه السائب بحسن الخُلق والسُّهولة في المعاملة، والبعد عن المراء والخصومة، مما يدلُّك على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اختار أصدقاء التجارة ممن اتصفوا بالعدالة وحُسنِ الخلق.
ومن الأسواق التي سافر إليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بنفسه الكريمة لأجل التجارة إما بماله أو بمال خديجة رضي الله عنها قبل البعثة؛ أسواق البحرين والتي تسمى اليوم الأحساء والقطيف، وقد رُزِق منها رزقاً حسناً، وقد جاء في ذلك عدة روايات أذكر منها ثنتين مما يرجح للباحث ذهاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليها، ومحل الشاهد فيها كما سيأتي: ((إِنِّي قَدْ وَطِئْتُ بِلَادَكُمْ، وَفُسِحَ لِي فِيهَا)). والبحرين في العرف القديم هو الإقليم الممتد من جنوب البصرة إلى مشارف عُمَان القديمة؛ أي بطول الساحل الشرقي للجزيرة العربية، وهجَر (الأحساء اليوم) كانت على مرّ التاريخ عاصمته، وأحياناً كان اسمُ هجر يُطلق على كامل إقليم البحرين. وكان فيها قرى كثيرة على عهده صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل جواثى، وجبلة، والقرحاء، والرميلة، والزارة ودارين وتاروت، لكن أشهر المدن التجارية في إقليم البحرين القديم هي المشقَّر والجرعاء وجواثى في هجر، والزَّارة ودارين في الخط (القطيف). يراجع كتاب هجر وقصباتها الثلاث لعبد الخالق الجنبي. والبحرين من أكثر البلاد زراعة للنخيل، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه بجودته وبالاستشفاء به. عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: ((خَيْرُ تَمَرَاتِكُمُ الْبَرْنِيُّ يُخْرِجُ الدَّاءَ وَلاَ دَاءَ فِيهِ)). المستدرك على الصحيحين رقم٧٤٥١. ملاحظة: الصور المرفقة مع الموقع لجبل القارة اشهر معالم الأحساء


تجارة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سوق قرية المشقر والصفا تجارته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سوق قرية المشقر والصفا كانت التجارة نشطة بين مكة المكرمة وهجر، وخاصة أيام الحج، فكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبايعهم، فيشتري منهم، وذهب إليهم كما ترجح للباحث، وأشهر القرى التجارية المشقَّر والصفا. قرية المشقَّر هي حصن هجر، وهي أفضل القرى في إقليمه، للحديث الآتي عند الحديث على عين الزَّارة: ((أَيُّ هَجَرٍ أَعَزُّ؟ قُلْنَا: الْمُشَقَّرُ)). وكان العرب يأتونها للتجارة من أول يوم من جمادى الآخرة، وقد سكنتها قبيلة عبد القيس. عن سُوَيدِ بنِ قَيْسٍ رضي الله عنه أنه قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعَبْدِيُّ رضي الله عنه، بَزًّا (قماشاً) مِنْ هَجَرَ، أَوِ الْبَحْرَيْنَ، فَلَمَّا كُنَّا بِمِنىً أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَرَى مِنَّا سَرَاوِيلَ، وَقَبَاءً، وَوَزَّانٌ يَزِنُ بِالْأُجْرَةِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّمَنَ فَقَالَ: ((زِنْ وَأَرْجِحْ)). رواه أحمد في مسنده برقم١٩٠٩٨، والحاكم في المستدرك وصححه برقم٢٢٣٠، والترمذي في سننه وصححه، سنن الترمذي برقم١٣٠٥.

وأما قرية الصفا فهي الحصن التوأم لحصن المشقَّر، وهما متقابلتان وبينهما نهر يسمى مُحَلِّم، وهذه الحصون قريبة من جبل قارة التاريخي، وقد اختلف المؤرخون في تحديد مكان القرى حول الجبل. يراجع إفادة الأنام بذ كر أخبار بلد الله الحرام (٦/ ١٨٣)، صفة جزيرة العرب (ص: ٢٨٨)، هجر وقصباتها الثلاث ص٢٣٦. روى الإمام أحمد عن شهابِ بن عَبَّادٍ العبديّ رحمه الله تعالى أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَهُمْ يَقُولُونَ: ((قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاشْتَدَّ فَرَحُهُمْ بِنَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ أَوْسَعُوا لَنَا، فَقَعَدْنَا فَرَحَّبَ بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَعَا لَنَا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَنْ سَيِّدُكُمْ وَزَعِيمُكُمْ؟ فَأَشَرْنَا بِأَجْمَعِنَا إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ عَائِذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَهَذَا الْأَشَجُّ؟.. فَقَعَدَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحَّبَ بِهِ، وَأَلْطَفَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ بِلَادِهِ وَسَمَّى لَهُ قَرْيَةً قَرْيَةً؛ الصَّفَا، وَالْمُشَقَّرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قُرَى هَجَرَ، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَأَنْتَ أَعْلَمُ بِأَسْمَاءِ قُرَانَا مِنَّا، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ وَطِئْتُ بِلَادَكُمْ، وَفُسِحَ لِي فِيهَا)).مسند الإمام أحمد رقم١٥٥٥٩. (أي رزقت منها رزقاً طيباً).
