وادي كُلَيَّة والجُحْفة
واصل الركب النبوي سيره في اليوم الثاني إلى الجُحْفة حيث مَرَّ بجانبها، وفي هذه الطريق مرّ على وادي كُلَيَّة، وفي الوادي أدرك سراقةُ بن مالك -قبل إسلامه-النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليقتله فيحظى بجائزة قريش وهي مائة بعير لمن يأتي برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حياً أو ميتاً، فرأى معجزة الله تعالى في حفظ نبيه فأسلم. ووادي كُلَيَّة عند قرية كُلَيَّة أو صعبر على البحر الأحمر، وتبعد عن مكة المكرمة نحو (١٣٥كم)، وأما الجحفة فسيأتي الحديث عنها عند الحديث على طريق حج الأنبياء.
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في حديث الهجرة: ارْتَحَلْنَا، وَالْقَوْمُ يَطْلُبُونَنا، فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا. فَقَالَ: ((لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)) حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَّا فَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَدْرُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا. وَبَكَيْتُ، قَالَ: ((لِمَ تَبْكِي؟)) قَالَ: قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ. قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ)). فَسَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ إِلَى بَطْنِهَا فِي أَرْضٍ صَلْدٍ، وَوَثَبَ عَنْهَا، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنْجِيَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي مِنَ الطَّلَبِ، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذْ مِنْهَا سَهْمًا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ بِإِبِلِي وَغَنَمِي فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذْ مِنْهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا)). قَالَ: وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَأُطْلِقَ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ.. مسند الإمام أحمد رقم٣. وقيل في الحديث: إنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لسراقة: ((كيفَ بكَ إذا لبستَ سِواري كسرى)).. قال له ذلك يوم لحقهما في الهجرة.. وفي أحاديث أخرى قال له ذلك حينما أسلم بعد فتح مكة فلما أُتي بهما عمر رضي الله عنه يوم خلافته دعا سراقة فألبسه السوارين، وقال: ارفع يديكَ، وقل: الله أكبر، الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقةَ بن مالك أعرابياً من بني مدلج.. (ينظر شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية ٢/١٤٥).